الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور

227

تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )

بديع معنى لأنّ بلغتهم أخبار المكذّبين ، ومن المكذّبين عاد وثمود وأصحاب الأيكة وأصحاب الرسّ ، وكلّهم في بلاد العرب يستطيعون مشاهدة آثارهم ، وقد شهدها كثير منهم في أسفارهم . وفي الآية دلالة على أهميّة علم التّاريخ لأنّ فيه فائدة السير في الأرض ، وهي معرفة أخبار الأوائل ، وأسباب صلاح الأمم وفسادها . قال ابن عرفة : « السير في الأرض حسّي ومعنوي ، والمعنوي هو النظر في كتب التّاريخ بحيث يحصل للنّاظر العلم بأحوال الأمم ، وما يقرب من العلم ، وقد يحصل به من العلم ما لا يحصل بالسير في الأرض لعجز الإنسان وقصوره » . وإنّما أمر اللّه بالسير في الأرض دون مطالعة الكتب لأنّ في المخاطبين من كانوا أمّيين ، ولأنّ المشاهدة تفيد من لم يقرأ علما وتقوّي علم من قرأ التّاريخ أو قصّ عليه . [ 138 ] [ سورة آل‌عمران ( 3 ) : آية 138 ] هذا بَيانٌ لِلنَّاسِ وَهُدىً وَمَوْعِظَةٌ لِلْمُتَّقِينَ ( 138 ) تذييل يعمّ المخاطبين الحاضرين ومن يجيء بعدهم من الأجيال ، والإشارة إمّا إلى ما تقدّم بتأويل المذكور ، وإمّا إلى حاضر في الذهن عند تلاوة الآية وهو القرآن . والبيان : الإيضاح وكشف الحقائق الواقعة . والهدى : الإرشاد إلى ما فيه خير النّاس في الحال والاستقبال . والموعظة : التحذير والتخويف . فإن جعلت الإشارة إلى مضمون قوله : قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِكُمْ سُنَنٌ [ آل عمران : 137 ] الآية فإنّها بيان لما غفلوا عنه من عدم التّلازم بين النّصر وحسن العاقبة ، ولا بين الهزيمة وسوء العاقبة ، وهي هدى لهم لينتزعوا المسببات من أسبابها ، فإن سبب النجاح حقا هو الصلاح والاستقامة ، وهي موعظة لهم ليحذروا الفساد ولا يغترّوا كما اغترّت عاد إذ قالوا : « من أشدّ منّا قوّة » . [ 139 ] [ سورة آل‌عمران ( 3 ) : آية 139 ] وَلا تَهِنُوا وَلا تَحْزَنُوا وَأَنْتُمُ الْأَعْلَوْنَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ ( 139 ) قوله : وَلا تَهِنُوا وَلا تَحْزَنُوا نهي للمسلمين عن أسباب الفشل . والوهن : الضعف ، وأصله ضعف الذات : كالجسم في قوله تعالى : رَبِّ إِنِّي وَهَنَ الْعَظْمُ مِنِّي [ مريم : 4 ] ، والحبل في قول زهير : فأصبح الحبل منها خلقا وهو هنا مجاز في خور العزيمة وضعف الإرادة وانقلاب الرجاء يأسا ، والشّجاعة